أمراض الجهاز الهضمي

مرض ويلسون: عندما يفشل جسدك في التخلص من النحاس

مرض ويلسون

في عام 1912 قدم الطبيب الانجليزي رسالته الدكتوراة الخاصة به حول حالة مريضٍ لفتت انتباهه؛ أعراضٌ عصبيّة مختلفة، ضمور عدسيّ تدريجيّ، إضافةً إلى التشمّع الكبدي، لم يكن يعلم حينها أن ثمّة علّةً واحدةً تقف خلف كلُّ هذه الأعراض لدى مريضه، لكنّه نجح بالفعل في لفت نظر العالم للاستمرار بالبحث وراء هذه الحالة لمعرفة تفاصيل هذا الداء، ليسجّل لاحقاً باسمه؛ “مرض ويلسون Wilson’s Disease “.

ما هو مرض ويلسون؟

مرض ويلسون أو داء ويلسون هو مرض جينيّ وراثيّ نادر، يمسي فيه الجسم غير قادرٍ على التخلّص من النحاس، مسبّبًا تراكمه داخل الجسم خصوصاً في الكبد، والدماغ، والكلى وقرنيّة العين، مؤدّياً إلى ظهور أعراض المرض المختلفة.

سيتساءل سائل، وكيف وصل النحاس إلى أجسامنا؟

والإجابة في واقع الأمر بسيطةٌ للغاية، فالنحاس يتواجد بنسبٍ بسيطة في الكثير من أغذيتنا اليوميّة، ويحتاج الجسم إليه بكميّاتٍ ضئيلة، يأخذ حاجته ثم يتخلّص من الباقي.

سبب مرض ويلسون

في أجسامنا، وتحديداً داخل ضفائر الحمض النوويّ يفبع الكروموسوم صاحب الرقم 13، حاملاً جيناتٍ مختلفة، وفي الوضع الطبيعيّ على هذه الجينات أن تقوم بالمهام الموكلة إليها، لكن لدى المصابين بداء ويلسون فإن أحد هذه الجينات لا يعمل!

هذا الجين يناط به في الأصل التحكّم في خلابا الكبد المسؤولة عن إخراج الفائض من النحاس، حيث تمرر هذه الخلايا الفائض منه إلى العصارة الصفراويّة ليتخلص منها الجسم لاحقاً مع حركة الأمعاء. باختلال هذا الجين تختلّ هذه الآليّة فيتراكم الفائض من هذا العنصر داخل خلايا الكبد تلك، سيستمر بالتراكم متخطّياً السعة التي يستطيع الكبد احتمالها، فيتسرب جزء منها إلى مجرى الدّم ليترسّب في أجزاء أخرى من الجسم، وبشكلٍ أساسيٍّ في الدماغ.

يعد مرض ويلسون مرضاً جينياً متنحياً، ما يعني أن نسختين من الكروموسوم المعطوب لازمةٌ للإصابة بالمرض، ولا يكفي عادةً نسخة واحدة للإصابة به. يحصل التقاء النسختين عندما يكون كلا الأبوين حاملين للمرض، نسخةٌ واحدة على الأقل، وإن لم تظهر أعراض المرض على أيٍّ منهما.

مدى انتشار مرض ويلسون

إنّ شخصاً من بين كلّ مئة شخص يحمل الجين المتعطّل (ATP7B)  الخاص بداء ويلسون، وعندما ينجب أبوين حاملين للمرض طفلاً، فإنّ:

  • فرصة إنجاب طفلٍ مصاب هي 1 من 4.
  • وفرصة إنجاب طفلٍ معافى غير حاملٍ للمرض هي 2 من 4، أي النصف.
  • أما فرصة إنجاب طفلٍ حاملٍ للمرض –دون ظهور الأعراض- تشكّل 1 من 4 “الربع”.

أعراض مرض ويلسون

على الرغم من أنّ المصابين بداء ويلسون لديهم هذا الخلل الجيني منذ الولادة، إلا أن تراكم النحاس يأخذ سنواتٍ ليصل إلى المستوى الذي يحدث فيه ضرراً على الجسم، ومؤدياّ إلى طهور الأعراض الخاصّة بالمرض. تبدأ الأعراض بالظهور عادةً ما بين السادسة وحتى عمر العشرين، وغالباً ما يتم التشخيص خلال فترة المراهقة.

تنشأ الأعراض من تراكم النحاس في أجزاء الجسم المختلفة والتي منها:

  • الكبد

ويعتبر أكثر الأعضاء تضررا، مما تنتج عن التهاب الكبد نتيجةً للتأثير السام للنحاس عليها، فتظهر الأعراض التالية:

  1. اليرقان: اصفرار الجلد وكذلك اصفرار الطبقة الصلبة من العين -والتي تظهر عادةً باللون الأبيض.
  2. آلام البطن.
  3. الغثيان والقيء.

في حال عدم تلقّي العلاج المناسب، يتفاقم تضرر الكبد إلى مرحلة “التشمّع الكبدي” وهو تلف غير مستردّ في خلايا الكبد تتعطل معها وظيفتها كلياً.

  • الدماغ

وتشمل الأعراض التي تصيب الدماغ الأتي:

أعراض جسديّة

  1. رعشة في اليدين.
  2. بطء الحركة.
  3. صعوبة البلع.
  4. صعوبات النطق والكتابة.
  5. صداع.
  6. تشنجات.

أعراض نفسية وسلوكيّة

  1. الاكتئاب.
  2. تقلباتٌ مزاجيّة.
  3. صعوبات التركيز.
  4. تغيّرات سلوكيّة وتغيرات في الشخصيّة

في حال عدم تلقّي العلاج المناسب، قد يتطوّر الأمر إلى ضعفٍ شديدٍ في العضلات، التيبس، الخرف وفقد الذاكرة.

  • العينين

كما ذكرنا سابقاً فإنّ النحاس قد يتراكم أيضاً في قرنيّة العين – الجزء الشفاف المغطّي للعين-  متسبباً في ظهور بقع أو حلقاتٍ بنيّة تسمى ب”حلقات كايسر فليشر” – “Kayser- Fleischer Rings”. ينجح طبيب العيون بالتعرّف عليها عبر جهاز “المصابح الشقّي – Slit Lamp ” لفحص العيون.

أعراض أخرى

تشخيص مرض ويلسون

عند الاشتباه بمرض ويلسون من خلال الفحص السريري والأعراض المصاحبة للمرض، فبالإمكان التحقّق من التشخيص عبر مجموعة من الفحوصات، منها:

  • فحص مستوى السيروبلازمين في الدم، وهو البروتين المسؤول عن الارتباط بالنحاس عند وصوله إلى مجرى الدم. يكون مستوى هذا البروتين منخفضاً لدى المصابين بداء ويلسون.
  • فحص وظائف الكبد الكلى.
  • فحص مستوى النحاس في البول والذي يكون مرتفعاً لدى المصابين بالمرض.
  • فحص العيون للكشف عن حلقات “كايسر- فليشر”.
  • أخذ خزعة “عينة” من الكبد للكشف عن مدى الضرر اللاحق بخلايا الكبد وتشخيص التشمّع الكبدي إن حدث.
  • وقد يقوم الطبيب بطلب تصوير بالرنين المغناطيسي MRI للدماغ والكلى.

عند إثبات إصابة فردٍ من العائلة بداء ويلسون، فإنه يجب إخضاع باقي أفراد الأسرة للفحص للتأكد من عدم إصابتهم بذات المرض الوراثي، أو تشخيصهم والبدء بإعلاجهم باكراً قدر الإمكان.

علاج مرض ويلسون

كلما تمّ اتخاذ الإجراءات العلاجيّة المناسبة في وقت أبكر، كلّما كانت النتائج أفضل في منع أي ضرر دائم قد يلحق بالكبد والدماغ.

العلاج الدوائي

  • العوامل المخلبة “Chelating Agents” ومنها البنسيلامين وترينتين واللذان يعملان على إخراج النحاس من الجسم عبرالارتباط به ومنع ترسّبه على أنسجة الأعضاء المختلفة للجسم.
  • الزنك، وهو خيارٌ آخر في حالاتٍ خاصّة، لمنع الجهاز الهضمي من امتصاص هذا العنصر الموجود في الغذاء. ومع أنّه لا يعمل على إخراج فائض النحاس الموجود داخل الجسم بالفعل، إلا أنّه يمنع زيادته، إضافة إلى أنّه الأقل من بين العلاجات الدوائية في إحداث أعراضٍ جانبية مصاحبة.

يجب على المريض بداء ويلسون الالتزام بالعلاجات التي يصفها له الطبيب، وذلك لتقليل مستواه في الجسم للمستوى الطبيعي ومنع تراكمه مجدداً.

علاجات أخرى

  • مضادّات الصرع لعلاج التشنّجات.
  • أدوية الذهان للتحكّم بالأعراض النفسية المصاحبة لداء ويلسون.

الحمية الغذائية

على مرضى داء ويلسون تجنّب الأغذية المحتوية على مستويات عالية من النحاس مثل الشوكولاتة، المكسّرات، المشروم، الكبد والكركند.

مرض ويلسون والحمل

في حال رغبت السيدة المصابة بداء ويلسون في الإنجاب، فإنّ عليها الاستمرار على العلاج الدوائي الخاص بها وحسب تعليمات الطبيب.

تتمحور الخطة العلاجية أثناء الحمل حول إبقاء الأمّ في مأمن من سميّة النحاس، وإبقاء الجنين في مأمن اللازم لنموّه بشكلٍ طبيعيّ مثل باقي الأجنّة، وبالتأكيد توخّي الحذر والتحقّق من أنّ الأدوية الموصوفة للأمّ لا تسبب ضرراً مباشراً على الجنين؛ ولهذا ربما يقوم الطبيب بتغير السريولوبلازمين إلى الزنك مثلا كونه الأكثر أماناً على والأقل ضرراً على صحة الامّ والجنين معاً.

مآل المصابين بمرض ويلسون

يعدّ مرض ويلسون مرضاّ متدرّجاً، يستمرّ بالتطوّر وقد يؤدّي إلى الوفاة أحياناً، ومع ذلك فإنّه باتباع الخطّة العلاجية المناسبة بإمكان المصابين ممارسة حياتهم بشكلٍ شبه طبيعيّ. إنّ بعض الأعراض بمجرّد أن تبدأ بالطهور لا يمكنها التّحسّن حتى مع العلاج المناسب، مثل تلك الأعراض التي تصيب الدّماغ.

ألبسكم الله ثوب العافية ..

المصادر

  • Dr Colin Tidy (2017) Wilson’s Disease: Causes, Symptoms, and Treatment, Available at: https://patient.info/health/abnormal-liver-function-tests-leaflet/wilsons-disease (Accessed: 18 October 2018).
  • Richard K Gilroy, MBBS, FRACP (2017) Wilson Disease: Practice Essentials, Background, Etiology, Available at: https://emedicine.medscape.com/article/183456-overview (Accessed: 18 October 2018).
  • Whonamedit (2011) Samuel Alexander Kinnier Wilson – dictionary of medical eponyms, Available at: http://www.whonamedit.com/doctor.cfm/1711.html (Accessed: 18 October 2018).
  • Dr Colin Tidy (2014) Wilson’s Disease; hepatolenticular degeneration, Available at: https://patient.info/doctor/wilsons-disease-pro (Accessed: 18 October 2018).
السابق
تعذر الارتخاء المريئي (الأكالازيا)، الأسباب والأعراض والعلاج
التالي
ما هو التهاب الزائدة الدودية، وما هي أعراض الزائدة الدودية وكيف يتم علاجها

اترك تعليقاً