الصحة النفسية

إدمان: تعرف على ثقب النفس الأسود، والأنواع المختلفة للإدمان

إدمان

بينما كان علماء الفلك يتأملون كوننا الواسع المرصّع بالنجوم المتلألئة والأقمار المنيرة، رأوا نقطةً حالكة الظلام ليس فيها معنى الحياة، بل تسلبه من كل من حولها، وتبتلع كل من يدنو منها، حتى ضوء أينشتاين بسرعته لم يفر منها!

سُميت هذه النقطة “بالثقب الأسود”. ولما تأمل علماء النفس البشر، اكتشفوا مرضاً إذا ما أصيب به الناس أذهب عنهم جمالهم وإشراقهم، وسلب منهم ابتسامتهم، واستأصل سعادة نفوسهم، وابتلع نشاطهم وحيوتهم؛ حتى صار وجه المصاب به حالكاً كظلمة الليل.

إنه الإدمان، “ثقب النفس الأسود”.

سنتعرف في هذا المقال بدايةً عن مفهوم كلمة “إدمان”، وأنواع هذا المرض وأعراضه وأسبابه، وصولاً إلى علاجه وكيفية التعامل معه.

معنى كلمة إدمان

إن أول ما يقفز إلى أذهاننا عند التلفظ أو سماع كلمة “إدمان” هو إدمان الخمر أو المخدرات كالهيروين والكوكايين، إلا أن المفهوم- في الحقيقة- يتعدى ذلك ليشمل شبكةً واسعةً جداً من المواد أو النشاطات التي قد تؤدي في نهاية الأمر إلى إدمانها.

فيُعرّف الإدمان على أنه عدم قدرة الفرد- نفسياً وجسدياً- على التوقف عن تناول مادة كيميائية أو مخدِّر ما، أو ممارسة نشاط معين، حتى لو تسبب ذلك بأضرار نفسية وجسدية على المستوى الشخصي.

أنواع الإدمان

يقُسّم الإدمان إلى نوعين أساسيين:

1. إدمان كيميائي

إذ يشير هذا النوع إلى إفراط الشخص واعتياده على تعاطي مواد مثل:

  • الكحول.
  • المواد الأفيونية كالهيروين، ومسكنات الألم كالأوكسيكودون والمورفين.
  • النيكوتين.
  • الكوكايين.
  • الأمفيتامينات.
  • الميثامفيتامين.

2. إدمان سلوكي

يتمثل هذا النوع في الممارسة المستمرة والمتكررة لبعض السلوكيات، بغض النظر عن الفائدة المكتسبة من ممارستها، مثل:

إدمان القمار

إذ يرغب المريض في المقامرة على نحو مستمر لا يمكن السيطرة عليه، دون النظر إلى كم الخسائر المتكبّدة.

إدمان المواقع الاباحية

يندرج هذا النوع ضمن أِشكال الإدمان الجنسي، وقد أشارت الإحصائيات أن 40 مليون شخص في أمريكا يزورون المواقع الإباحية على نحو منتظم، وأن 200 ألف منهم يعانون من إدمان الاباحية.

إدمان ممارسة الرياضة

إذ يعاني المريض هوساً باللياقة البدنية والتمارين الرياضية، وغالباً ما ينتج هذا النوع من الإدمان عن اضطرابات أخرى كاضطرابات الأكل.

إدمان الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي

يعد إدمان الانترنت نوعًا جديدًا من أنواع الإدمان، يستخدم فيه المدمن الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي يومياً وبصورة مفرطة مؤثرةً بذلك على حياة الشخص الاجتماعية والنفسية.

إدمان ألعاب الفيديو

يعد إدمان ألعاب الفيديو اضطراباً سلوكياً يتمثل في الاستخدام المفرط لألعاب الفيديو بصورة تعيق النشاطات اليومية للفرد.

أعراض الإدمان

إدمان

تختلف أعراض الإدمان باختلاف أنواعه التي ذكرنا بعضها، لكن هناك بعض الأعراض التي قد يشترك فيها جميع المدمنين:

  • الاستيلاء على مساحة واسعة من تفكير المدمن؛ فيجد صعوبة في التفكير بأي شيء آخر.
  • الحاجة الملحّة والمستمرة للزيادة في كمية المادة المتعاطاة أو عدد مرات ممارسة الفعل.
  • الشعور بالقلق، والتوتر، وانعدام الراحة في حال كان هنالك صعوبة في الحصول على المادة.
  • مواجهة مشاكل في إدارة الأعمال، وممارسة المهام اليومية، وتولي المسؤوليات الموكلة للشخص.
  • المعاناة من صعوبات في الصداقات والعلاقات الاجتماعية.
  • قضاء وقت أقل في ممارسة النشاطات اليومية، إضافةً إلى نقص الاستمتاع وانعدام الرغبة في ممارسة هوايات أخرى.
  • ظهور أعراض انسحابية عند محاولة الإقلاع عن التعاطي أو الممارسة.

أسباب إدمان الأشياء

تجدر الإشارة إلى أن الإدمان لا يُعزى إلى سبب واحد فقط، بل هي مجموعة من الأسباب التي قد تؤدي في نهاية المطاف إليه:

العوامل الوراثية والتاريخ المرضي للعائلة

تعد علاقة العوامل الوراثية بإصابة الفرد بالإدمان موطن خلاف حتى الآن، لكن الدراسات الأخيرة أوضحت أن الجينات تلعب دوراً في ذلك بما نسبته (40-60)%، وعلاوةً على ذلك فإن أطفال الأفراد الذين يعانون من الإدمان لديهم قابلية أكبر للإصابة بالإدمان مستقبلاً، مقارنةً بأطفال غير المدمنين بما نسبته 25%.

البيئة المحيطة

إن جدال “الطبع أم التطبع” امتدت جذوره لتصل إلى موضوع الإدمان، فعلى الرغم من سعي العلماء للتوصل إلى جين مسؤول مرتبط بإدمان الفرد، إلا أنهم لم يتوصلوا إلى ذلك حتى هذه اللحظة. بالمقابل، إن البيئة التي وُلد فيها الطفل ونشأ وترعرع فيها لها دور كبير في التأثير على الصحة النفسية والجسدية للطفل؛ فهي تعد إحدى الأسباب الرئيسة للإصابة به.

ضعف قدرة الفرد على التعامل مع الضغوطات

يُعد الضغط والتوتر من أهم عوامل الخطر للإدمان، ويعود السبب في ذلك للآتي:

  • كلما ازداد الحمل على الفرد وثقل كاهله، كلما ازدادت رغبته بالهرب والتحرر من تلك الأعباء؛ فيلجأ بدوره إلى الكحول والمخدرات.
  • إن توتر الإنسان يدفعه للفرار إلى منطقة الراحة الخاصة به، فيقع مرةً أخرى في مصيدة الإدمان بعد أن أقلع لفترة معينة.

القلق والاكتئاب

بينت الدراسات أن ما

يقارب (15-30)% من المدمنين مصابون بالاكتئاب، من الجدير ذكره أيضاً، أن القلق والاكتئاب قد يقودان الشخص في نهاية الأمر إلى الإدمان، رغبة منه في الراحة والاطمئنان لبعض الوقت.

كيفية العلاج من الإدمان

إن أول وأهم خطوة في علاج الإدمان هي اعتراف المدمن بوجود المشكلة، وتأثيرها على حياته وإضعافها لأدائه وعطائه، وما إن يتجاوز الشخص هذه المرحلة سيجد نفسه أمام مجموعة كبيرة من البرامج العلاجية والخيارات المتنوعة، وتعتمد هذه الخيارات العلاجية على عدة عوامل منها، نوع الإدمان، ودرجة خطورته، ومدى تأثيره على الشخص.

يعمل الطبيب المشرف مع المريض على وضع خطة علاجية متكاملة تتناسب مع حالته، وفي الغالب تكون هذه الخطة مكونة من عدة خيارات علاجية، فقد تشمل الأدوية، وجلسات العلاج السلوكي، بالإضافة إلى الانضمام إلى مجموعات الدعم.

تختلف مدة العلاج من حالة إلى أخرى، ولكن كثير من الأشخاص تستمر فترة علاجهم مدى الحياة، تجدر الإشارة إلى أن الخطط العلاجية الموضوعة لا تتلاءم مع جميع حالات الإدمان.

وفقاً لدراسة أمريكية، فإن 21.7 مليون شخص في أمريكا يحتاج أو يتلقى علاجًا للإدمان على نحو منتظم، فلا ضير ولا عيب في المرض، إنما العيب في إنكاره ورفض العلاج.

فعلاج الإدمان بصمةٌ وليست وصمةً! فكما خلق الله الداء، خلق معه الدواء.

المصادر

السابق
فوائد زيت الزيتون
التالي
استعمال البلافكس (الكلوبيدوجريل)، الأعراض الجانبية، وأهم التداخلات الدوائية

اترك تعليقاً